|
جريدة السياسة الكويتية
27/06/2005
تشكيلي سوري يعيش بيد واحدة منذ
32 عاماً
وليد قارصلي قاهر الشلل... حرك
يمناه
فرسم وعزف وكتب شعراً وصافح
العالم
دمشق- عامر حمد:
/ كان سهلاً على وليد قارصلي,
الفنان التشكيلي اللامع, أن يستسلم, أن يبقى ممدداً فوق السرير ويعيش حياة غير
فعالة, وأن يتَكل على الآخرين في نقل أفكاره ورؤاه, فهذه كلها حلول لجأ إليها آخرون
في أوضاع أخف من وضعه.. لكنه أصرَ على أن يكون طبيعياً, لا يُضارع طاقته التي لا
تنضب وتفانيه في عمله إلا إخلاصه ووفاؤه وحماسته وذكاؤه الحاد, لقد تجاهل الألم
وآثاره تماماً, ولم يبدُ له ذلك من باب المستحيل, لأنه لا مستحيل في قاموسه المليء
بالإبداعات الفنية التعبيرية منها والتشكيلية.
لقد تفهم وليد قارصلي إصابته بطريقة فلسفية عميقة, لذلك تجده يفلسف الفن فتخرج
اللوحة من بين أصابعه ساحرة أخَاذة, محاولاً إنقاذ حياة غيره من خلال لوحاته التي
تبث الأمل في نفوس الآخرين وتخفف عنهم..
مستشار فني
إنَ قسماً كبيراً من سحره
وقدرته على التأثير في الناس يتأَتَى من ظرفه وروح الفكاهة عنده, وكانت قدرته على
إضفاء الشعور بالراحة على زملائه الفنانين الذين يزورونه باستمرار ركيزة ثمينة في
أنه أصبح المستشار الفني لهم, يقيم أعمالهم وينقد لوحاتهم لدفعهم نحو الأفضل
والأجمل, إنها عينه الرائعة, يقول زميله الفنان موفق مخول: " شُددتُ إلى وليد بسبب
لطفه وحدسه, فقد ساعدني على إدراك ما في الطبيعة من روعة وجمال يُهْدَيان إلينا كل
يوم, وهو يُشعرك أن العالم سيبدو أفضل والطبيعة ستغدو أجمل لو حافظنا على ما فيها
من سحر وبساطة, ويُدَرِبك على هذا الشعور حتى يغدو جزءاً من نفسيتك تنظر من خلاله
إلى العالم, وتحاكم به وتكتشف مكامن الروائع والأعاجيب".
ووليد قارصلي المولود في العام 1944 في مدينة تدمر الأثرية الشهيرة, من أسرة دمشقية
عريقة, تخرَج العام 1966 في أكاديمية ليننغراد السوفيتية "سابقاً" بدبلوم في العلوم
الإلكترونية, مارس الرسم من خلال تجاربه الخاصة وتحت إشراف والدته الفنانة "إقبال
ناجي قارصلي" ألَف الموسيقى وكتب قصصاً ومسرحيات للأطفال وكتب الشعر, وهو كما يقول
أخوه الدكتور "محمد قارصلي" : "لو لم يرسم لكان شاعراً كبيراً بحق" .
تعرض لحادث سقوط مُريع وهو يسبح في نهر موسكو قبل 32 عاماً , أدى إلى إصابته بشلل
الأطراف, لكنه ومع العلاجات والتدريبات المستمرة تمكَن من تحريك يده اليمنى فقط وهي
التي يمارس بها كل نشاطاته وهواياته في الفن والكتابة والعزف والعمل على الكمبيوتر
والإنترنت , يرسم مستنداً على لوحة صمَمها خصيصاً , ولديه القدرة على استيعاب
اللوحة والدخول في أعماقها من مسافة 30 ¯ 40 سم, يقول الفنان "محمد الوهيبي"
"يستطيع وليد قارصلي أن يرى أعماق اللوحة وتداعياتها, وما تحمله من ظل ونور ومدى من
مسافة قريبة جداً .. لقد استطاع أن يوفق بين جميع هذه الأشياء ويتعامل مع ما نسميه
فيزياء اللوحة, الدفع والجذب بطريقة ذكية جداً ومدهشة, ومَرَدُ ذلك لأنه متصالح مع
ذاته, ومع جميع الأشياء من حوله".
عالم الموسيقى
إنَ الإعاقة لغةً هي الامتناع
والانشغال, ويقال أعاقه عن كذا أي حبسه عنه وصرفه, وبصرف النظر عما قاله الجاحظ في
الإعاقات, فإن القضية ليست قضية قادر ومعوق لكنها بحدِ ذاتها وفي جوهرها قضية نضال
ضد العجز واليأس ومن هنا بالضبط يأتي الفخر والاعتزاز بإنجازات الفنان المبدع "وليد
قارصلي" , فيما كان من الممكن أن تودي به إصابته إلى الأرض لكنه سما بنفسه عن ذلك
وكان من العظماء.
لقد قال ورسم وعزف قبل إصابته واستمرَ بذلك بعدها بجدٍ ومثابرة, فرسم لوحات تشكيلية
جميلة وكتب شعراً وقصصاً ومسرحيات للأطفال ولَحَنَ موسيقى الكثير من المسرحيات,
وقال أدباً نفسياً إنسانياً صادقاً, وكل ذلك صادر عن نفس حساسة شاعرية مرهفة تسمو
بإنسانيتها المشبعة بالأمل والتفاؤل.
"السياسة" التقت الفنان: "وليد قارصلي" وكان الحوار التالي:
\ ما العلاقة التي نسجت بواسطتها الخيوط بين الفن والموسيقى والعلوم الإلكترونية?
إن الموسيقى بالنسبة الي كالهواء هي ضرورة للتنفس لا أستطيع التواجد في مكانٍ خالٍ
من الموسيقى, وفي السابق حين كنت أكثر نشاطاً كانت يداي مشغولتان على الدوام إما
بالرسم أو بالعزف أو بالقراءة وهذه جميعها ليست هوايات بالنسبة لي إنها من أساسيات
الوجود.
\ ما طبيعة علاقتك بالمكان والعالم الخارجي?
/ مع الوقت قلَ خروجي إلى الشارع, وعندما كنت أخرج لافتتاح معرض لي كنت أشعر أنني
كالإسفنجة الجافة تماماً التي تتقبل وتمتص كل ما تراه, وكانت كل حواسي مستفزَة حتى
تستطيع جمع أكبر عدد ممكن من المشاهد خلال ساعات قليلة صحيح أنها لا تكفي لكنها
تشكل مخزوناً جيداً, سيما وأنني لم أخرج إلى الشارع منذ عشر سنوات.
معارض وتلفزيون
\ وأين تجد نفسك من الحركة
الثقافية في سورية?
/ أتابع باهتمام معظم المعارض التشكيلية التي تجري حيث أقوم بإرسال من يصور المعارض
والنشاطات الثقافية والفنية لأشاهدها بواسطة الفيديو.
\ أنت مهتم بالتلفزيون.. ما سبب هذا الاهتمام?
/ هو النافذة الكبرى لي على العالم خاصة بعد انتشار الفضائيات والبرامج المتنوعة
فيها.
\ نلاحظ أن لوحاتك صغيرة الحجم نسبياً?
/ إن رسم اللوحات الكبيرة الحجم تشكل مغامرة بالنسبة لي لأنه يتوجب علي دراسة
اللوحة عن بعد وأن لا أستطيع أن أفعل ذلك.. أنني أرسم معتمداً على ذاكرة عميقة,
وأبقى في حالة جذب ونبذ مع المسافة, أتمنى أن أرسم جداريه كبيرة جداً ولكني أفكر
برسمها مجزَأة .
\ ماهو تأثير الإصابة والإعاقة المباشر عليك?
/ وقع الحادث منذ 32 عاماً تقريباً وهو كأي حادث يتعرض له الإنسان في الحياة, كسرت
فقرات الرقبة وأصبتُ بشلل رباعي, ومع الزمن والتدريبات عادت الحركة والإحساس لبعض
الأجزاء ومنها يدي اليمنى التي أعمل بها, استمررت بالتمرين لعدة سنوات وكانت وتيرة
التحسن تتصاعد إلى أن توقف التحسن وبدأ التراجع, هذا الحادث أثَرَ بي سلباً
وإيجاباً . الأثر السلبي هو أنه أعاقني عن القيام بأعمال تحتاج الحركة والمشي ..
الخ أما الإيجابي فقد حدَد لي مسار دراستي لتاريخ الفنون واعتبرت الفن خياري
الرئيسي في الحياة وهذا ما كنت أتمنَاه فعلاً حتى قبل الحادث. فقبل شهرين فقط من
الحادث قمت بإخراج مسرحية " حفلة سمر من أجل خمسة حزيران " للراحل سعد الله ونوس
وترجمتها إلى الروسية وقدمتها مع مجموعة من الأصدقاء في جامعة موسكو, وأذكر بعدها
أنني تقدمت بطلب إلى إدارة الجامعة لنقلي إلى دراسة الإخراج لكنهم رفضوا ذلك لأنني
كنت أدرس الفيزياء النووية.
شهادة
ونورد هنا شهادة الفنان "نذير
نبعه" الذي قال عن وليد قارصلي: "بالرغم من المشاهد الواقعية التي يمتِعُنا بها
وليد قارصلي في مجموع معارضه وأعماله فهو ليس فناناً واقعياً , ولا تنطبق عليه صفات
رسَامي المناظر من المدارس الأخرى كالانطباعية مثلاً .. نحن هنا أمام مشاهد نَمَت
في أرض الخيال الخصبة وتحاورت مع دفء العواطف ورحابة الأحاسيس وأَنْتَجَتْها أشواق
الانطلاق.
فنحن مرة في حضرة نشيد صوفي حين نراه يعمر بيوت حارة دمشقية بنورٍ فريد ليس غروباً
ولا شروقاً ولا هو بالصباح أو المساء, إنَه نور الرحمة والشَجَن أو نحن في ليل حارة
في أي حي, ليلة مليئة بنشوة رومانسية تفوح منها حكايا البيوت وهمسات المحبين وراء
شبابيكها المضيئة في الزرقة الداكنة التي تَهِبُ المشهد أسرار الغموض وسحره.
أو نحن أمام قاص من الطراز الأول في تلك المناظر التي يرفقها بصورة لرجل كهل أو فتى
أو شاب, تلك المشاهد تذكرني بشخصيات قصص "جبران خليل جبران" المفعمة بالرومانسية
أكثر مما تذكر بشخصيات "زكريا تامر" الغارقة في مرارة الواقع, نحن أمام فنان متمكن
من أدواته قدم لنا نكهة خاصة لموضوع المنظر بعيداً عن منظر البطاقة البريدية وأعمق
من المشاهد التي قدَمتْها لنا المدرسة الواقعية التسجيلية لحارات وأبواب دمشق,
وأكثر صفاء ممن يجدون في المنظر مجالاً لاستعراض قدراتهم التقنية".
وليد قارصلي تجاوز بدأبه ومثابرته تلك الثقافة السائدة لدى غالبية الفئات والشرائح
الاجتماعية والتي تجسدها ¯ وللأسف الشديد ¯ الصورة الإعلامية التي تقتات على تمجيد
الجسد, وتعتبره قيمة حضارية تتربَع على قمة القمم متناسية ومتجاهلة روح الإنسان
التي لا تنكسر ولا تنهزم.
|