|
·من الهندسة الإلكترونية إلى
الفن التشكيلي ؟ كيف تصف لنا هذا التحول بين التخصص وبين الممارسة؟
++ يمكن القول اني تربيت مع
الفنون ومارستها منذ الصغر.. وكان اول عمل فني اوكلتني به والدتي هو دهان جدران
وسقف المطبخ وعمري حوالي 12 سنة.. في حين كنت قد بدات بالتعلم على الاوكورديون
بالسرقة من الدروس التي كانت تعطيها خالتي الى اختي.. ولكني لم امتهن الفنون بحرفية
لان راي الوالدين كان: ان الفن في هذا البلد مذموم تقريبا ولا يطعم خبزا. وعندما
حصلت على البعثة الهندسية تركت فرقتي الموسيقية والتحقت (بالتحصيل العلمي). وهكذا
ترى ان كل شيء سار طبيعيا.
·ما الذي دفع وليد ترك
الإلكترونيات والتي تعتمد على الفن الملموس الى فن المخيلة (الموسيقي – التشكيل)؟
طبعا ساعدني الحادث على تقرير
مصيري المهني واعتمدت على تآلفي مع الفن فاخترته مهنة المستقبل..
ولولا الحادث لاستمريت في
ممارسة الفنون ولكن كهاو فقط وبدون تفرغ وبدون قاعدة اكاديمية..
·ماذا قدمت لك الطفولة كفنان ؟
داخل كل فنان يوجد طفل يمارس
لهوه على هواه.. وتكاد العفوية الطفولية ان تكون اكثر وضوحا
في افضل اعمال الفنانين..
تراها في اشكال بيكاسو في اللوحة الماساوية ( الغيرنيكا) وتراها في الابتسامة
الشقية للطفل داخل شخصية الجيوكندا لدافنشي..
·هل أثرت عليك الإصابة بالإيجاب
اتجاه الفن ؟
نعم بالتاكيد.. فقد امضيت
الوقت الكثير في مكتبة المشفى.. ووفرت لي الاصابة التحرر من كل
الاستحقاقات كالدوام والتبعية
وهدر الوقت في اشياء فارغة .. فاصبحت طليقا وتفرغت لالتهام المراجع الفنية والعمل
..
·يعتقد الكثير من النقاد بأن
الفنان وليد قارصلي متأثر بوالدته الفنانة الرائدة إقبال ناجي ؟؟ ما مدي صحة هذا
الكلام ؟
في البدايات كنت ارفض الربط بين
ما افعله وبين اعمال والدتي الابداعية وانفي الثأثر كون والدتي عاطفية الحلول بينما
انا امثل المدرسة العقلانية.. ولكن فيما بعد فهمت ان لا شيء ينبت من الفراغ وان
نظام العمل والتفكير يمكن ان يخزن الكثير في عالمنا الباطن وعندما يخرج للنور يكون
قد حوى اصلا على ذلك التاثر لا اراديا.
·رسمت كثيرا عن الطبيعة الروسية
؟؟ ماذا تعني لك الطبيعة الدمشقية وكيف تنعكس في لوحاتك؟؟
اذهلني جمال الطبيعة الروسية
وشعرت انه من العار ان اعرف الطبيعة في الغربة ولا اعرف طبيعة بلادي.
وفي اول اجازة قررت التعرف على
طبيعة بلادي التي كنت اعرف القليل عنها.. فزرت اغلب بقاعها..
وهكذا وجدت كل زاوية من الوطن
مكانها في ذاكرتي وروحي. وتشبعت بالوان تربتها وظلالها..
·في كثير من الحوارات تحدثت عن
لوحة دون كيشوت بأنها لوحة لم تنتهي بعد؟؟ هل هذا يعني بأنك تستمر في عمل تشكيلي
واحد فترة من الزمن ؟ وهل تعطيك الحياة اليومية تجديد في ذات العمل التشكيلي
الواحد؟
دون كيشوت ليس لوحة واحدة انه
مشروع كبير لا حصر لعدد لوحاته. انجزت منها البعض..
·ماذا يعني لك دون كيشوت كشخصية
فنية؟
بالنسبة لي اقرا مسيرة المثقف
العربي ومصيره بتشابه كبير لمغزى شخصية دون كيشوت.. فكلاهما يعرف كيف ستنتهي
المعركة قبل ان تبدا ومع ذلك يندفع اليها بكل جوانحه.. وكلاهما لا يعرف اختيار
خصومه او حلفاؤه في المعركة.. هذا جانب فقط
من شخصية دون كيشوت الدراماتيكية المعقدة.. والبسيطة في آن معا.
·لوحظ في كثير من أعمالك
التشكيلية عري الأشجار . ماذا يعني ذلك ؟
ماديا ارى ان الاشجار العارية
تفضح قوانين طبيعية عديدة وتضعها امامي.. فتحلو لي عملية اعادة تنظيمها .
اما معنويا فالاشجار العارية
امامها الكثير لتقوله بينما الشجرة المورقة الخضراء قد قالت كل ماعندها
وفرغت من غموضها اللذيذ..
·ما هي علاقة التشكيل بالموسيقي
بالنسبة لك ؟
لا شك ان هناك علاقة حميمة
بين الفنون هذه ( اضف اليهما الشعر).. وليس عبثا ان الالوان في قوس قزح عددها سبعة
والنوتات الموسيقية الرئيسة عددها ايضا سبعة. ويمكن تخيل الموسيقى و(رؤيتها ) في
لوحة ما.. كما يمكن تخيل صورا لا نهاية لها وانت مغمض العينين وتستمع الى مؤلفك
الموسيقي المفضل.
·هل استطعت ذات يوم تحويل قطعة
موسيقية للوحة تشكيلية ؟؟ وهل أثرت بالنسبة لك لوحة تشكيلة في معزوفة خاصة؟
لقد تسنت لي فرصة رؤية
لوحات الفنان اللاتفي ( ميجالايتيس) الذي رسم ابراج زودياك على انها لوحات تمثل كل
واحدة منها قطعة موسيقية.. وبصراحة كانت لدي صعوبة كبيرة في قراءة نوتة واحدة من
اللوحات.. ولكن سرعان ما اكتشفت السر: كانت تلك الموسيقى تخصه لوحده ويجب على كل
متلقي ان يؤلف موسيقاه الخاصة..
هذا من جهة الموسيقى.. ولكن لدي
تجربة في رسم الشعر.. اذ ترجمت بعض رباعيات الخيام واشعار لابي نواس وزهير بن ابي
سلمى الى رسوم ولوحات.. واعتمدت الامانة التامة في الترجمة فكانت النتيجة مذهلة:
ان الشعر العربي بمجمله تقريبا
يعيش تحت نجمة التفكير السيوريالي....
*هل لك أن تحدثنا عن مشوارك
الموسيقي؟
الموسيقى عنصر هام في حياتي
اليومية.. في الستينات شكلنا فرقة تعزف الالحان الراقصة والجاز..
وفي ليننغراد صارت فرقتنا
الثانية تعزف الالحان العربية وخاصة الرحبانيات والاغاني الجزائرية والمغربية.
قمت بتاليف اغاني للاطفال
والكبار والحان تصويرية واغاني للمسرح ..كانت الموسيقى ولاتزال ترافقني دائما..
·كيف تنظر الى الساحة التشكيلية
السورية ؟
يبدو اننا في سورية اعتمدنا
نظرية ( ان الكم يجلب النوعية في النهاية)
ولا بد للزمن ان يغربل وينتقي
بين الغث والسمين..
·هل تعتقد بأن السوق له دور
كبير في نوعية الفن التشكيلي ؟ وهل إستطاع الفنان أن يحول ذائقة المقتني ويطورها
بمخيلة خاصة ؟
نحن نعاني من وضعية اللاسلم
واللاحرب في الفن التشكيلي.
واقصد انه يوجد لدينا سوق ولا
يوجد لدينا سوق. وعدم التنظيم هذا يجد تربة خصبة لتدني الذائقة الفنية العامة.
فقد ساهم ولا يزال الثراء
الفاحش لنخبة من عديمي الثقافة ان يملوا ذائقتهم وذوقهم على مسيرة بعض الفنانين
الجيدين.. مما رفع التخلف الفكري الى مستويات لا يحلم بها على الاصعدة الثقافية. في
حين لم تنتشر لدينا ظاهرة تبني الفنون من قبل اشخاص او مؤسسات خاصة..
ومع غياب مدرسة نقدية عارفة فان
الوضع سيسير من سيء الى اسوأ.
·ماذا قدم لك جيل الرواد من
الفنانين السوريين والعالميين؟ وبمن تأثر الفنان وليد؟
ان التالف مع الفن منذ الصغر هو
شيء ضروري وايجابي . فالجو الفني الذي رادته والدتي وكنت ارافقها اليه غالبا ساعد
في تثقيفي فنيا دون شعور. لذلك انصح كل وزارات التربية لدينا بجعل زيارة المتاحف
والمعارض الفنية الزامية على المدارس.. فهذا يشذب روح الطفل بالاضافة للمعارف
المكتسبة.
وقد تاثرت بالعديد من فنانينا
الكبار مثل ناظم الجعفري وميشيل كرشة وبرهان كركوتلي الذي رحل منذ فترة قريبة ولؤي
كيالي واقبال ناجي ونذير نبعة والعديد العديد منهم.. واما فان غوغ فقد استحوذ على
اهتمامي لدرجة اتخاذي له استاذا لفترة طويلة.. ومن الصعب تعداد الفنانين الاخرين ..
فمن فنون بلاد الرافدين والنيل الى اليونان وروما والى المدرسة الفلامنكية الى
الايطالية والفرنسية والاسبانية وبالطبع المدرسة الروسية والسوفييتية.. انه لمن
الصعب الا تؤثر بك حضارات باكملها وخاصة في عصرنا عصر االمعلومات..
وقد تعرفت على جميع هذه الفنون
عن قرب بحكم دراستي الثانية ( تاريخ الفن).
·بعيدا عن الفن كيف يقرأ الفنان
وليد خارطة الثقافة العربية في ظل الهزائم المتلاحقة؟
ان الوضع اصبح خطيرا جدا ..
ولامس كل مجال في حياتنا بما فيها الثقافية. فانتشرت الانفصامات في القيم واللغة
والاخلاقيات.. واذا كان تقليد الغرب سابقا يجري بشكل انتقائي فقد اصبح الان عشوائيا
وبلا معنى.. وسنضيع ما كان لدينا ولن نقتني ما لديهم لاننا دائما في صدمة مع
الحضارة السائدة.. واذا اتسعت الهوة بيننا فسيؤدي ذلك الى بقائنا خارج الكون
حضاريا.. وسنتحول الى محمية يتفرجون عليها كباقي محميات الحيوانات البائدة.. وهذه
الحالة كان قد ذكرها كاتب الخيال العلمي بيير بول في روايته ( كوكب القرود).
|