|
أحب اللحظات الحرجة في الحياة
وأعمل للتعبير عنها
البيوت والحارات والجدران
مؤنسنة في لوحاتي.
على المثقفين العرب أن يتمثّلوا
»دون كيشوت« كحالة إيجابية.
عالم اللون، عالم سحري لا
متناهي.
أجرى الحوار سعيد البرغوتي
دار نشر كنعان للدراسة والنشر
حكاية الفنان السوري وليد
قارصلي مع الفرشاة واللون والموسيقا، حكاية خاصة تبعث على الحزن مع انبثاقات الفرح،
لأنها تجمع بين العتمة والضوء.. وتقدّم الأمثولة على قوة الإرادة، حين تهزم ضعف
الجسد.
هذا الفنان، تعرّض في يومٍ من
الأيام، أثناء دراسته الالكترونيات في الاتحاد السوفياتي السابق لحادث مؤسف، أُصيب
على أثره بشللٍ نصفي أقعده، ومذّاك وهو يداري عزلته، بمداعبة الأوتار حيناً،
ومشاغبة الألوان أحياناً أخرى، والنتيجة كانت إقامة عشرات المعارض الشخصية
والمشتركة، منذ أوائل ستينات القرن الماضي، وحتى معرضه الشخصي الحالي (صالة شورى
2000)، إلى جانب ذلك، ألفّ قارصلي عشرات الألحان والأغاني كموسيقا تصويرية لأعمالٍ
مسرحية.
الفنان قارصلي من مواليد 1944،
تدمر، من أسرة دمشقية، تخرج عام 1966 من أكاديمية لينينغراد بدبلوم ماجستير في
العلوم الالكترونية، ومارس الرسم من خلال تجاربه الخاصة، متأثراً بوالدته، رائدة
الفن التشكيلي السوري الراحلة، إقبال ناجي قارصلي.
على هامش معرضه التقته »الصدى«
في بيته الدمشقي فكان هذا الحوار..
& المتأمل بلوحاتك يلمس شيئاً
من الحزن الشفيف البعيد عن القسوة، وهذا ما يغلف لوحتك عبر نظرتك للمدينة، للإنسان،
للحب، للعلاقات، ما هو تعليقك على ذلك؟
** المعروف أن الألوان الباردة
هي ألوان حزينة، وبالنسبة لي الأمر نابع من البنية الفيزيولوجية للإنسان والتطرق
للألوان التي تتكون مع نشوء الإنسان ومع ذلك اعتبر أن لمحة الحزن الموجودة في
حياتنا لأمد طويل هي التي تسم أعمالي بذلك الحزن النابع من الحياة نفسها.
& لندخل أكثر بعالم المدينة وهي
هنا دمشق، كما هي متجسدة في أعمالك، تبدو هذه المدينة عبر تكويناتها وألوانها
منزاحة عن الواقع. إلى أي حد تتدخل الذاكرة وأيضاً الحلم فيما أشرت إليه؟.
** الذاكرة بالنسبة لي عنصر
أساسي، وحتى لو كنت أعمل على موديل مثلاً أستبعده جانباً وأبحث عما كوّنته من عناصر
لذلك الموديل في ذاكرتي كي أبتعد عن الواقع التسجيلي، وأقتراب من واقع، واقع آخر
مختلف، واقع مطعم بالخيال، والذكريات، والمزاج الخاص. أيضاً ومن كل ذلك تأخذ اللوحة
في النهاية خصوصيتها وخصوصية الفنان. فلا يعقل مثلاً أن تبدو دمشق في لوحاتي كمدينة
معمارية.
أنا كفنان مطالب بإبراز
العلاقات الاجتماعية والإنسانية والنفسية عبر التشكيل واللون.
& تشكيلات المدينة لديك تشير
لبيوت تقترب من التهاوي في حين تتكئ جدرانها المائلة على بعضها ربما لتفادي ذلك
التهاوي والانهيار.
** إذا لاحظت، البيوت والحارات
والجدران بالنسبة لي هي شبه مؤنسنة، فالألفة والحميمية بين الزوايا والجدران
والحارات تعوض عن غياب البشر في تلك الأماكن. وهكذا تتحول تلك البيوت والحارات إلى
بشر من لحم ودم، وتصبح شخصيات توحي بطباعها وبنيتها حتى الأخلاقية وتومي بالتالي
إلى حواراتها المشتهاة والتي بدت عبر الاتكاءات التي تكاد تكون مفقودة في حياتنا
والتي نحن بحاجة إليها.
& لفت انتباهي لوحة »دون كيشوت«
إلى أي حد تتقاطع هذه اللوحة مع لوحة »العزلة« وإلى أي حد ترى أن هذا البطل النبيل
حاضر في عالم تداعت وانهارت فيه القيم. أهو تعليق ساخر من قبلك عبر تلك اللوحة أعني
»دون كيشوت«؟.
** نعم هناك نوع من السخرية رغم
أنني أرمي للحالة الإيجابية التي تشير لذلك المغامر الذي يعرف نتيجة مغامرته
المدمرة سلفاً، إلا أنه يُقدم عليها. ألا ترى أن على المثقفين والفنانين أن يتمثلوا
»دون كيشوت« إنني دائماً أتذكر بطولة »يوسف العظمة« وزير الحرب في الحكومة السورية
الفيصلية عندما قاد بنفسه الجيش السوري بمعركة ميسلون وأقول »الجيش« تجاوزاً فهل
كان هناك جيش؟! فيوسف العظمة قاد بنفسه تلك المجموعة من المسلحين بأسلحة بدائية
ومحدودة لملاقاة الفرنسيين واستشهد هناك في ميسلون. وهذا طبعاً ليس انتحاراً بل
موقف وشرف وهذا ما نحن مدعون إليه. أنا أعلم أن شريحة من المثقفين العرب يقدمون تلك
الأمثولة بلا شك.
أما عن لوحة »دون كيشوت« التي
شاهدتها في المعرض فهي واحدة من مشروع لم ينته بعد أعدّه للمعرض القادم.
& ماذا عن تلك الوجوه المطلة من
النوافذ عبر لوحاتك، التي تبدو وكأنها عاجزة عن التواصل مع محيطها رغم حنينها لذلك
التواصل في آن؟.
** هو تجسيد أمين للحالة في
البيوت الدمشقية، إنهم متلاصقون ولكنهم بعيدون عن بعضهم، نتاجاً لكل ما تفرزه
إيقاعات الحياة بكل تجلياتها من غربة، فالبيت رغم جدرانه أصبح واحة في صحراء،
فردوساً في جهنم. وهكذا أصبح البيت ملجأ رغم قسوة الجدران التي تدفع تلك الوجوه
لترقب أو انتظار.
& ما مدى تأثير وضعك الصحي
الراهن على إبداعك سلباً وإيجاباً، فالفنان التشكيلي بحاجة لمسافة بينه وبين اللوحة
فيما أنت محكوم بمسافة محدودة؟.
** مؤكد أنني أشعر دائماً
بالحاجة للابتعاد عن اللوحة، بحاجة لرؤية السماء الطبيعية.. فهذا يريح العين ويغني
التشكيل ويغذي ذاكرة الفنان..
عودة للاتكاء الذي أشرت إليه في
بداية الحوار، فإن ما يعوضني عن افتقاد تلك العناصر الهامة هو الصديق الفنان عماد
صبري الذي يساعدني دائماً على »صناعة« اللوحة بالإضافة لزوجتي »إليكا« التي توفر لي
الراحة وتساعد باستمرار على خلق الجو الملائم. ولولا صديقي عماد لما تمكنت من إنجاز
هذا المعرض.
& لعل إشارتك للفنان عماد تنم
عن الوفاء المتبادل، يقولون »الصديق وقت الضيق« عبر وضعك الخاص جداً كيف تنظر إلى
الصداقة؟
** الصديق هو الذي يمكنّك
ويتمّكن من إلغاء كل الحواجز بينك وبينه، بحيث تصبح كأنك هو، ويصبح وكأنه، أنت،
بعيداً عن أية تطلعات أو أهداف خاصة، تلك هي الصداقة.
& هناك في لوحاتك موسيقى لونية
شفافة كأنها مستوحاة من عالم الطفولة في نقائها البكر؟.
** اكتشفت في نفسي كما اكتشفت
لدى الكثيرين من الفنانين الآخرين وجود الطفل في عالمهم والفنان كلما خاض أكثر في
غمار الفن كلما زاد البحث عن ذلك الطفل الشقي، الذي قد يدلهم على بعض العناصر التي
غابت عنهم. وهذا أمر، مهم فالطفولة هي الصدق، هي البراءة التي تنقذ الفنان من
التلوثات الأخرى.
& هل لك أن تحدثنا عن تأثرك
بوالدتك الفنانة الرائدة إقبال ناجي في تكوين معارفك الفنية لا سيما وأنك لم تؤسس
تلك المعرفة عن طريق أكاديمي؟.
** في البداية كنت أظن أن
والدتي لم تؤثر علي إطلاقاً، ولكن بعد أن نضجت أكثر علمت أن كل معارضي مستقاة منها
سواء التربية اللونية أو الجمالية، وكل أشكال الثقافة وبالتالي تكوين رؤيتي للحياة
كانت عبر مشاهداتها. وهذا التأثير أصبح موضع فخر لي بعد أن كنت أعتز باستقلاليتي.
& أنت تستقي ألوانك من أكثر من
بيئة ما مدى تأثيرات المكان على الألوان في لوحاتك؟.
** عالم اللون عالم سحري لا
متناهي هو الماء الذي يسبح فيه الفنان، فهناك دائماً تناغمات لونية يبحث عنها
الفنان، أحياناً تأتيه عفوية، وكلما كانت عفوية أكثر، كلما كان إنجازه أجمل. أنا
أحب الألوان الهادئة المنسجمة. أحياناً أبحث عن التنافر في اللون ولكن ليس عن غضب
أو كراهية بل لتوظيف معين ضمن اللوحة.
& هل من قرابة بين الفن
التشكيلي والموسيقى، وما مدى ما يغذي أحدهما الآخر؟.
** حتى الآن لم تستطع المنجزات
الثقافية لدى البشر أن تجد معادلاً مساوياً بين سبعة ألوان وسبعة نوتات.
حاولت مرة أن أرسم قطعة
موسيقية، ولو حاول مائة فنان أن يقدموا نفس التجربة لقدموا مائة لوحة مختلفة. مع أن
الألوان والأصوات هي بنفس الترتيب إلا أنه لا يمكن أن تكون هناك معادلة متساوية بين
الاثنين، وربما هذا شيء جيّد فلو وجدت المعادلة لكان الأمر مملٌّ جداً.
& عندما كنت في الاتحاد
السوفييتي السابق كنت أحب أن أرسم لينينغراد (بطرسبرغ)، وأرسم أماكن في موسكو وفي
سيبيريا إلخ.. لا شعورياً كانت تظهر الألوان الباردة المتفقة مع تلك الأمكنة،
وعندما أحاول أن أستحضر الذاكرة لرسم حارة دمشقية أو رقصة، فجأة تحضر ألوان مختلفة
ليست بنفس البرودة التي ذكرتها. وعندها لم أكن معنياً بإيجاد تفسير لهذا الشيء.
ولكن عندما وجدت بعض الفنانين القادمين من هناك يرسمون »معلولا« مثلاً بألوان
لينينغراد (بطرسبرغ) كان ذلك أمراً غريباً وليس مقبولاً. فالأخضر هنا يختلف عن
الأخضر هناك والحجر الوردي المشبع بأشعة وحرارة الشمس يختلف عن الحجر الجرانيتي
البارد هناك.
& معظم الأشجار في لوحاتك عارية
من الأوراق والأزهار، ما الذي تشي به تلك الأشجار العارية؟.
** الأشجار العارية في لوحاتي
تشبه كثيراً الحارات العارية الخالية من الناس. بشكل عام، أنا أحب اللحظات الحرجة
في حياة البشر والطبيعة، كلحظة ما قبل الغروب مثلاً أو المعجزة التي تحدث كل اليوم
قبل بزوغ الشمس، أو لحظة ما قبل المطر، عبر الكهرباء الساكنة للغيوم، أو انتعاش
الأرض لاستقبال المطر. حبي لهذه اللحظات دفعني لا لتوثيقها، بل للتعبير عنها، عبر
رمز ما. فأنت ترى هذه الأشجار رغم عريها إلا أنها ليست يابسة وهي تمثل، ربما تلك
اللحظة الحرجة ما قبل انبثاق الأوراق أو الأزهار.
|