|
12 أيار 2005 جريدة تشرين – نصر الدين البحرة
منذ ألوف السنين, وقت أن اخذ الإنسان القديم- ولا أحب أن
أقول البدائي, فربما كان أرقى منا في عواطفه وممارساته – يعبر عما يراه أو يجيش في
نفسه وخياله, صوراً على الصخور وجدران الكهوف, فإنه التزم برسم موضوع واحد: أحد
الحيوانات التي كانت تتحرك حوله. شجرة. إنسان.نار.الخ.وظل الأمر كذلك حتى وصلت
الإنسانية, عبر مئات السنين – بما في ذلك فن عصر النهضة الجميل: Renaissance-إلى
مطالع القرن العشرين, وسقوط المفاهيم والقيم التقليدية في الفنون جميعاً, أثر الحرب
العالمية الأولى, والثورة (النفسية) التي طلع بها فرويد. حينذاك فرضت المدارس
الفنية بعض المذاهب الحديثة في فن التصوير الزيتي, ولاسيما الدادائية Dada
والسوريالية Surrealism هنا انطلق
الفنان يعبر عما يجول في نفسه, كما يشاء, فيضع في لوحته ويرسم مجموعة من الأشياء
المختلفة, وكان من سادة هذه اللعبة سلفادور دالي, وبابلو بيكاسو, وخاصة (إصرار
الذكرى) للأول وغارنيكا) للثاني. والواقع إن هذه الخواطر دارت في ذهني, وأنا أشاهد
اللوحات الأربع المعروضة حالياً في المركز الثقافي الروسي بدمشق, للفنان المتألق
وليد قارصلي, وعلى الرغم من أن في المعرض عدداً من الأعمال الجميلة, وخاصة لوحة
الفنان أحمد إبراهيم ( الربيعية) فإن أعمال قارصلي أخذتني إليها تماماً. صار بيننا
ما يشبه حالة الوجد: ابتعد عنها قليلاً. حادث صديقاً. أتفرج على لوحة أو لوحات
أخرى, ثم أعود إليها ثانية وثالثة و رابعة. بلى, إن هذا الفنان المقعد في كرسيه
المتحرك منذ سنوات طويلة, تتحرك في روحه كل رؤى دمشق القديمة, يسكنه هاجسها, حتى لا
فكاك له منها,وعلى الرغم من أنه ليس معدوداً بين السرياليين, ألا أنه أخذ من
السريالية تعدديتها, بنا في لوحاته من دمشق, دمشقه الخاصة. دمشق التي تلازمه في رؤى
اليقظة وأحلام النوم. أخذ من كل ركن فيها شيئاً, من كل زاوية وطرف وحارة معلماً.
هاهي ذي البيوت الدمشقية العتيقة في القيمرية والعمارة ومئذنة الشحم والشاغور
والشيخ محيي الدين والصالحية تتعانق في الأعلى. تلك هي السيباطات تذكرك بإخوتها
السبعة طوالع وراء المكتبة الظاهرية وحمام الملك الظاهر. وذلك هو جامع الشيخ رسلان
وقبته. أما هذه التي لا يطل منها أحد فهي الشبابيك الخشبية, وبجانبها الرمايات (
المشربيات) ترى منها ولا تُرى. وهنا وهناك دعامات الشرفات الخشبية المائلة, تراها
أنى توجهت في الحارات العتيقة. وهذا الدرج.. يا إلهي, كم مررت به والتقيته. بلى فيه
شأ يشبه أدراج معلولا, ولكنه هنا.. في قلب دمشق, هذا هو الدرج الحجري وقدا تآكلت
أطراف درجاته, و الثاني هو الدرج الخشبي يصعد إلى الطوابق الثانية. لا فرق هنا بين
خارج البيوت وداخلها.. الدرج يفضي إلى الأدوار كلها. يا الله, كم تطوي هذه البركة
في نفس الشاعر الرسام من حنين, إلى تلك الأيام, يوم كانت مياه بانياس وثوري ويزيد,
تتدفق من ( الطوالع) إلى مثيلاتها.. ولم يكن في أعماقه من عشق للهر والشجر, الزهر
بأفوافه وألوانه الرائعة يحيط باللوحات, كأنه إطارها الطبيعي, والشجرة تنبثق من كل
جانب في اللوحة. تندفع أحياناً من قلب الجدار الأصم. وليد قارصلي, أيها العاشق
العظيم. أنا لا أصدق أنك مقعد. فأنت حركت كل الجمادات وبثثت فيها من روحك الجميلة..
الصامدة.. سواك المقعد وإن كان يتحرك بساقين .. لأنه لا يرى الجمال الذي تراه.
|