|
دمشق - صحيفة تشرين - ثقافة وفنون - السبت 29 نيسان 2006
د. عبد الكريم عبد الصمد
منذ فترة قصيرة كان عشاق الفن التشكيلي على موعد مع الفنان وليد قارصلي في
المركز الثقافي الروسي من خلال معرضه الاستعادي الأخير، الذي كان بمثابة وداع بين
الفنان وجمهوره وأصدقائه. فقد أبى الفنان أن يرحل دون أن يطل مرة أخرى بلوحاته
الآسرة، والتي تعتبر بحق رغم واقعيتها نسيج وليد وحده، بما تحمله من رؤية ذاتية
تغني المفهوم الواقعي للوحة وتحرره من اسر التصوير الفوتوغرافي الضيق.
فاللوحة المتحركة في موقعها من المتلقي المتحرر من أبعاد المكان في محدوديته
تبقى وثيقة الصلة برؤية الفنان نفسه وما يختزن في نفسه من ألوان وأحاسيس وهواجس
وآلام وأحلام. وما تراكم في ذاكرته من صور ومعارف قد ينسحب هذا القول على الكثير من
الفنانين إلا انه في حالة الفنان وليد قارصلي حالة خاصة فمن النادر أن نجد من كان
مصيره كمصير وليد قارصلي الإنسان بل ومن النادر أن نجد فناناً عاش لفنه وللحياة كما
الفنان قارصلي.
في ربيع العمر داهمته المأساة. فواجهها بإرادة الحياة وإبداع الفنان. مأساة
لازمته طوال حياته فلم يستسلم لها. بل قاومها بريشته وألوانه وحسه الموسيقي المرهف،
وكان ينفث أوجاعه خارج جسمه ويحولها إلى دراما تشكيلية حية، تقنع المشاهد وتؤثر فيه
ليس بمأساويتها، بل بما تحمله من آمال بقدرة الإنسان والفنان بشكل خاص على الصمود
والمقاومة والتحدي.
لقد رحل الفنان وليد قارصلي في الثامن عشر من نيسان 6002، ولعل في كلمة
((الرحيل))، في حالة الفنان قارصلي، استمرار للتحدي ومقاومة العجز واللاحركة، التي
حكم عليه القدر بها منذ ما يزيد عن ثلاثين سنة. فقد تعرض الفنان الطالب الشاب أثناء
دراسته في الاتحاد السوفياتي وقتها لحادث خطير كاد يودي بحياته وأصابه بشلل سفلي
أقعده تماماً، وحول مسار حياته نحو بدايات نمت معه وظلت كامنة في أعماق نفسه
لتفجرها المأساة ينبوع عطاء فني، وجد الرعاية والتشجيع من قبل الأهل والأصدقاء.
فتحول الشلل إلى حركة تكسر إطار العزلة وتحولت ساحة السرير إلى رحاب المعارض
المحلية والدولية، وتحولت أنات الألم إلى ألحان تنتزع النشوة من أعماق النفس
المعذبة وتوزع الأمل على من يحتاجه.
لقد كان في حياة الفنان الراحل الكثير من المخزون الحياتي الذي لو تحرر من واقع
العجز والشلل لأعطى الكثير مما نحتاجه نحن الناس العاديين، ومع هذا ورغم العجز
والشلل واللاحركة استطاع الفنان قارصلي أن يعطي الكثير. رحم الله الفنان الراحل،
فقد كانت حياته مأثرة. كان فناناً مبدعاً ورجلاً حقيقياً حلق في أجواء الفن
والموسيقا تماماً كما حلق بوريس بوليفوي بطل قصة رجل حقيقي ومؤلفها في عالم الطيران
والأدب. وكما وصفته إحدى صحفنا المحلية ((تجرأ مثل أبطال الميثولوجيا على تحدي
الموت واختراع أفق آخر وريح مواتية أخرى)).
|